أعادت نتائج PISA 2025، الصادرة في 8 شتنبر 2026، النقاش حول جودة التعلمات في المدرسة المغربية إلى الواجهة. غير أن قراءة نتيجة المغرب في هذا التقييم وحده لا تقدم سوى جزء من الصورة.
فخلال السنوات الأخيرة شارك المغرب في ثلاث دراسات دولية كبرى تسمح، رغم اختلاف أهدافها والفئات التي تستهدفها، بتكوين صورة متدرجة عن التعلمات: PIRLS 2021 في القراءة بالسنة الرابعة ابتدائي، وTIMSS 2023 في الرياضيات والعلوم، ثم PISA 2025 الذي يقيس قدرة التلاميذ في سن الخامسة عشرة على توظيف معارفهم ومهاراتهم في مواجهة مشكلات ومواقف جديدة.
والسؤال الأكثر فائدة تربويًا ليس فقط: في أي مرتبة جاء المغرب؟
ماذا يستطيع المتعلم المغربي أن يفعل فعلًا بما تعلمه بعد سنوات من الدراسة؟
ثلاثة تقييمات.. وثلاث زوايا مختلفة
لا تمثل PIRLS وTIMSS وPISA امتحانًا دوليًا واحدًا بأسماء مختلفة.
تشرف الجمعية الدولية لتقييم التحصيل التربوي IEA على دراستي PIRLS وTIMSS. يقيس PIRLS أساسًا الفهم القرائي لدى تلاميذ السنة الرابعة ابتدائي، بينما يقيس TIMSS التحصيل في الرياضيات والعلوم في السنتين الرابعة والثامنة.
أما PISA فتشرف عليه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، ويستهدف تلاميذ في سن الخامسة عشرة. ولا يقتصر على التحقق مما إذا كانوا قد تعلموا محتويات مدرسية معينة، بل يهتم بدرجة كبيرة بقدرتهم على استخدام المعرفة والمهارات في مواجهة تحديات واقعية.
وفي دورة 2025 كان العلوم هو المجال الرئيسي، إلى جانب الرياضيات والقراءة، كما شملت الدورة تقييمًا لحل المشكلات الحاسوبية ضمن مجال «التعلم في العالم الرقمي». وشارك في الدورة أكثر من 760 ألف تلميذ من 91 دولة واقتصادًا.
إذن، لا يجوز مقارنة أرقام الاختبارات الثلاثة مباشرة؛ فـ372 نقطة في PIRLS و393 في TIMSS و358 في PISA تنتمي إلى مقاييس واختبارات مختلفة.
قيمتها الحقيقية تظهر عندما نستخدمها لفهم المراحل التي تظهر فيها صعوبات التعلم واستمرارها عبر المسار الدراسي.
PIRLS 2021: إنذار مبكر من السنة الرابعة ابتدائي
في PIRLS 2021، حصل المغرب على 372 نقطة في القراءة لدى تلاميذ السنة الرابعة ابتدائي.
وهي نتيجة تقل بوضوح عن النقطة المرجعية المركزية لسلم PIRLS، المحددة في 500 نقطة، وتضع المغرب ضمن الأنظمة التعليمية ذات الأداء الضعيف في الدراسة الدولية.
لكن أهمية النتيجة تتجاوز الترتيب.
فالسنة الرابعة ابتدائي تمثل مرحلة شديدة الحساسية في المسار الدراسي للطفل. خلال السنوات الأولى يكون جزء كبير من الجهد موجهًا إلى تعلم القراءة، لكن بعد ذلك تتحول القراءة تدريجيًا إلى وسيلة للتعلم من خلال القراءة.
وهنا يصبح ضعف الفهم القرائي مشكلة تتجاوز مادة اللغة.
فالتلميذ الذي يجد صعوبة في استخراج المعلومات من نص، أو الربط بينها، أو تفسير معنى غير مصرح به مباشرة، قد يجد الصعوبة نفسها لاحقًا عندما يقرأ مسألة رياضية، أو وثيقة علمية، أو نصًا في التاريخ والجغرافيا.
من هذه الزاوية، يمكن اعتبار PIRLS بمثابة إنذار مبكر: جزء من صعوبات التعلم التي ستظهر لاحقًا يمكن رصده بالفعل في المرحلة الابتدائية.
TIMSS 2023: المشكلة تمتد إلى الرياضيات والعلوم
بعد PIRLS بعامين جاءت نتائج TIMSS 2023، لتقدم صورة أحدث عن أداء تلاميذ السنة الرابعة ابتدائي في الرياضيات والعلوم.
حقق المغرب: 393 نقطة في الرياضيات، و390 نقطة في العلوم.
وبذلك بقي في المجالين دون النقطة المركزية لسلم TIMSS المحددة في 500 نقطة، كما جاء في مراتب متأخرة بين الدول المشاركة.
وهذه النتيجة مهمة لأنها تظهر أن الصعوبات التي كشف عنها PIRLS لا تتعلق بالقراءة وحدها.
ففي هذه السن يفترض أن يكون المتعلم قد بدأ في بناء قاعدة تسمح له بالتعامل مع الأعداد والعمليات والمقادير وحل المشكلات، وفي العلوم بفهم الظواهر البسيطة، واستعمال المعطيات، وبناء تفسير أولي قائم على الملاحظة والاستدلال.
وعندما تظل النتائج ضعيفة في القراءة والرياضيات والعلوم معًا، يصبح من الصعب تفسير المشكلة باعتبارها تعثرًا خاصًا بمادة دراسية واحدة.
ثم يصل المتعلم إلى سن الخامسة عشرة
هنا يأتي PISA.
شارك المغرب للمرة الأولى في الدراسة سنة 2018، ثم في 2022 و2025.
وتسمح الدورات الثلاث الآن برؤية اتجاه الأداء:
| المجال | 2018 | 2022 | 2025 | التغير 2022–2025 |
|---|---|---|---|---|
| الرياضيات | 368 | 365 | 355 | -10 |
| القراءة | 359 | 339 | 321 | -18 |
| العلوم | 377 | 365 | 358 | -7 |
الأكثر إثارة للانتباه هنا هو القراءة.
فقد انتقلت النتيجة من 359 نقطة سنة 2018 إلى 339 في 2022، ثم إلى 321 نقطة في 2025.
أما الرياضيات فانخفضت من 365 إلى 355 نقطة بين 2022 و2025.
وفي العلوم سجل المغرب 358 نقطة مقابل 365 سنة 2022. غير أن OECD تنبه إلى أن هذا الفارق الأخير لا يعد ذا دلالة إحصائية، ولذلك ينبغي وصف أداء العلوم بأنه بقي تقريبًا في المستوى نفسه، لا باعتباره تراجعًا مؤكدًا.
هذه الملاحظة مهمة؛ لأن نتائج الاختبارات الدولية قائمة على عينات وتقديرات إحصائية، ولا ينبغي التعامل مع كل فارق عددي صغير باعتباره تغيرًا حقيقيًا بالضرورة.
من الرابعة ابتدائي إلى الخامسة عشرة
إذا وضعنا الدراسات الثلاث في صورة مبسطة، يظهر أمامنا مسار يستحق التأمل:
السنة الرابعة ابتدائي
سن الخامسة عشرة
ولا تعني هذه السلسلة أن الدراسات تتبعت التلاميذ أنفسهم.
فهذا أمر بالغ الأهمية منهجيًا: PIRLS 2021 وTIMSS 2023 وPISA 2025 ليست دراسة طولية لفوج واحد من الأطفال، ولا يمكن أن نقول إن التلاميذ الذين حصلوا على نتيجة معينة في PIRLS هم أنفسهم الذين حصلوا لاحقًا على نتيجة PISA.
لكن اتفاق نتائج دراسات مستقلة، وفي مراحل مختلفة، يسمح بطرح سؤال تربوي مشروع:
هل تبدأ فجوات التعلم مبكرًا ثم يستمر جزء منها عبر المستويات الدراسية بدل أن تتم معالجته بصورة نهائية؟
والبيانات المتوفرة تجعل هذا السؤال صعب التجاهل.
القراءة ليست مادة فقط
تستحق القراءة اهتمامًا خاصًا؛ لأنها ليست تعلمًا مستقلًا عن بقية المواد.
فالطفل يحتاجها لفهم مسألة رياضية، وقراءة تعليمات تجربة، وتحليل وثيقة، ومقارنة معطيات، وبناء استنتاج.
ولهذا يمكن اعتبار الفهم القرائي بنية تحتية للتعلم.
إذا كانت هذه البنية هشة في السنوات الأولى، فإن أثرها قد يظهر لاحقًا في مواد تبدو ظاهريًا بعيدة عن اللغة.
ومن هنا تكتسب نتيجة PIRLS 2021 أهميتها، كما يصبح استمرار الضعف في القراءة في PISA 2025 مؤشرًا يحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد ترتيب دولي.
هل تكفي النتائج للحكم على المدرسة المغربية؟
لا.
فالاختبارات الدولية تقدم مؤشرات شديدة الأهمية، لكنها لا تختزل منظومة تعليمية كاملة في رقم واحد.
ومن بين العوامل التي نبهت إليها OECD في حالة المغرب توسع التمدرس واستمرار عدد أكبر من الشباب داخل النظام التعليمي.
بين 2018 و2022 ارتفع عدد المغاربة في سن الخامسة عشرة المؤهلين للمشاركة في PISA، رغم استقرار عدد السكان تقريبًا في هذه الفئة العمرية.
وهذا يعني أن المنظومة أصبحت تحتفظ داخل المدرسة بفئات كان بعضها أكثر عرضة للمغادرة المبكرة في السابق.
وترى OECD أن أخذ هذا التوسع في الحسبان يجعل اتجاه الأداء المغربي يبدو أفضل مما توحي به المقارنة الخام للنقط وحدها.
وهذا أمر يجب الاحتفاظ به في أي قراءة منصفة للنتائج.
لكن توسيع الولوج إلى التعليم، على أهميته، يطرح في الوقت نفسه تحديًا جديدًا:
ليس المطلوب فقط أن يبقى المتعلم داخل المدرسة، بل أن يتعلم داخلها.
وماذا عن مدارس الريادة؟
من المغري، عند صدور نتائج دولية جديدة، ربطها مباشرة بالإصلاحات الجارية.
لكن PISA 2025 لا يصلح للحكم على نجاح أو فشل مدارس الريادة في التعليم الابتدائي.
فتلاميذ PISA يبلغون الخامسة عشرة، ومعظم سنوات تعليمهم الابتدائي سبقت تنزيل النموذج الحالي. كما أن الأثر الكامل لإصلاح يستهدف التعلمات الأساسية يحتاج سنوات قبل أن يظهر في تقييم يقع في نهاية المسار الإلزامي تقريبًا.
لذلك سيكون من غير الدقيق تقديم نتيجة PISA 2025 باعتبارها نتيجة لـ«مدارس الريادة»، إيجابًا أو سلبًا.
لكنها تساعد على فهم أحد الأسباب التي تجعل التعلمات الأساس ومعالجة التعثرات المبكرة محورًا مركزيًا في الإصلاح الحالي.
فمنطق التشخيص، وتحديد المستوى الفعلي للمتعلم، ثم تقديم دعم يتناسب مع حاجته، ينطلق من فكرة أساسية:
لا ينبغي السماح للتعثر بأن ينتقل مع الطفل من سنة إلى أخرى حتى يتحول إلى فجوة يصعب تداركها.
ويبقى نجاح هذا الاختيار نفسه بحاجة إلى تقييم موضوعي ومستقل بالنتائج، لا بالنوايا.
PIRLS 2026: محطة ينبغي انتظارها
خلال ماي ويونيو 2026 أنجز المغرب الاختبار الرئيسي لدورة PIRLS 2026 لدى تلاميذ السنة الرابعة ابتدائي.
لكن النتائج الدولية لن تصدر إلا في دجنبر 2027.
وستكتسب هذه الدورة أهمية خاصة؛ لأنها ستمنحنا صورة أحدث عن مستوى الفهم القرائي لدى تلاميذ الابتدائي.
وعند صدورها ينبغي ألا نكتفي بالسؤال عما إذا كان المتوسط الوطني قد ارتفع أو انخفض.
هناك أسئلة أهم:
- هل تقلصت نسبة المتعلمين في مستويات الأداء الدنيا؟
- هل ارتفعت نسبة التلاميذ الذين يحققون مستويات أعلى من الفهم؟
- هل تقلصت الفوارق المرتبطة بالوسط الاجتماعي والجغرافي؟
- وهل يظهر تحسن واسع يشمل قاعدة المتعلمين، أم يقتصر على فئات محدودة؟
فالنجاح الحقيقي لأي إصلاح لا يقاس فقط بارتفاع المتوسط الوطني ببضع نقاط، بل بقدرته على تقليص عدد الأطفال الذين يغادرون السنوات الأولى دون التحكم في التعلمات الأساسية.
الرائز لا يصلح التعثر وحده
تدفعنا هذه النتائج أيضًا إلى إعادة التفكير في وظيفة التقويم داخل المدرسة.
الرائز التشخيصي مهم، لكنه ليس غاية في ذاته.
فمعرفة أن متعلمًا لا يتحكم في مهارة معينة لا تغير واقعه التعلمي إلا إذا ترتب عنها تدخل واضح:
- ما المهارة التي لم يكتسبها؟
- ما السبب المحتمل؟
- ما الدعم الذي يحتاج إليه؟
- هل تحسن بعد الدعم؟
- وما العمل إذا لم يتحسن؟
لهذا فإن قيمة التقويم لا تكمن في عدد الروائز المنجزة، وإنما في القرار التربوي الذي يتخذ بناء على نتائجها.
الخلاصة: السؤال ليس عن المرتبة فقط
لا تقول PIRLS أو TIMSS أو PISA إن الطفل المغربي أقل قدرة على التعلم.
كما لا تسمح نتائجها باختزال مشكلة منظومة كاملة في الأستاذ، أو الأسرة، أو المنهاج، أو لغة التدريس، أو الموارد المدرسية منفردة.
لكنها تضع أمامنا حقيقة يصعب تجاهلها:
هناك فجوة كبيرة بين سنوات التمدرس التي يقضيها جزء من المتعلمين داخل المدرسة وبين مستوى التعلمات الفعلية التي يملكونها.
PIRLS يكشف جزءًا من المشكلة في القراءة في السنة الرابعة ابتدائي.
TIMSS يظهر أن التحدي يمتد إلى الرياضيات والعلوم.
ثم يأتي PISA، في سن الخامسة عشرة، ليسأل عن قدرة المتعلم على استخدام ما راكمه خلال سنوات الدراسة.
ولهذا، ربما ينبغي ألا يكون أول سؤال نطرحه بعد صدور كل دراسة دولية: «ما ترتيب المغرب؟» بل:
كم متعلمًا مغربيًا أصبح قادرًا فعلًا على القراءة والفهم والحساب والاستدلال وتوظيف ما تعلمه؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي، في النهاية، أن تقاس به فعالية أي إصلاح تربوي.
للتوثيق والرجوع
المصادر
- OECD, PISA 2025 Results (Volume I): Future-Ready Students, 8 September 2026.
- OECD, PISA 2022 Results – Country Note: Morocco, 2023.
- IEA / TIMSS & PIRLS International Study Center, PIRLS 2021 International Results in Reading.
- IEA, TIMSS 2023 International Results in Mathematics and Science.
